Thursday, August 25, 2005

عودة فراشة



هل تذهب إليه أم لا ؟ في الحقيقة هذا السؤال لم يكن إليه أي داعي فهي كانت تسأل نفسها وهي في طريقها إليه؛ عندما اقتربت من مكان الموعد واجهت نفسها وأدركت فعلا أنها ذاهبة ؛ ولكنها أخبرت نفسها أو أمرتها بأنها لن تجلس معه وسوف تخبره في كلمات قليلة ووجه متجهم بألا يطاردها ثانية وربما ستسأله ماذا يريد منها؟
أفاقت ويدها في يديه مصافحة ؛ وشعرت بأن كل من في المكان يرقبها فقررت أن تجلس حتى لا يتقول الناس أو تسبب حرجا لنفسها وله ؛ فتشت عن الكلمات التي كانت تنوى قولها فلم تجدها ؛ عبثا حاولت أن تستدعى الوجه المتجهم
الذي هرب وحل مكانه وجه آخر يكتسي بعض الشيء بحمرة الخجل مع ابتسامـة
صغيرة ؛
خواطر شتى كانت تمر عليها لدرجة أنها لم تسمع جيدا الكلمات التي كانت تخرج متسارعة من فمه؛ ولكنها بين اللحظة والأخرى كانت تختلس نظرة إلى وجهه؛ذلك الوجه الذي ارتاحت إليه سريعا ؛ عبثا حاولت أن تتكلم ؛ ولكنها استجمعت كل قوتها على النطق ولكن الكلام لم يخرج كما كانت تهوى، ولكنها أخبرته بأن عليها الانصراف؛ ما أن نطقت بهذه الكلمات حتى قامت مسرعة الخطى وهو وراءها يخبرها بالموعد القادم0
جالسة تفكر ماذا دهاها فأيقنت أنه قد تسلل للقلب وما من سبيل لإزاحته عن المكان الذي احتله ؛ ماذا تفعل إذن ؟ هل تذهب في الموعد القادم ؟ أم تقبض على هذا القلب بقوة وتجعله لا يبوح بمكنونه وتقبل راضية الحياة بأصولها الموروثة والمرعية ؟ أضناها التفكير فنامت وصورته بين جفونها0
أفاقت على صوت عال يدعوها ثم أحضان وقبلات ؛ عندما تنبهت كلية لما يحدث أطلقت زغرودة عالية وضحكة رنانة وقولها مبروك يا حبيبي ثم أجهشت بالبكاء؛ هاهو الابن الذي كان يؤنس وحدتها قد نجح في الثانوية ولابد أنه سيفعل
ما انتوى عليه سابقا بالارتحال والالتحاق بكلية لا يوجد نظير لها في بلدتها خاصة وانه متفوق ولابد أن أوراقه ستقبل بهذه الكلية؛ أتأخذ نفسها وتعود إلى مدينتها؟
ولكن بعد موت الأب والأم وتفرق الأخوة لن يكون الحال هناك أفضل مما هو عليه الآن ؛ وهنا أطلت صورته أمامها فتبسمت ومسحت بعضا من الدموع المنسابة وأخبرت الابن أن يدعو أصحابه وذويهم للحفلة التي كانت وعدت بإقامتها له أن نجح بالمجموع الذي يريده ؛ لازالت صورته تلح أمام عيونها ولكنها بكل هدوء أزاحتها جانبا حتى تفرغ لمستلزمات الحفل0
كفراشة كانت وهي تتنقل بين الضيوف والتي كانت تعرف معظمهم جيدا ؛ولكنها توقفت فجأة أمام وجه تعرفه جيدا ؛كان وجه هو مبتسما واثقا وانسل من
بين من يقف معهم ووقف أمامها وأخذ يدها في يديه وهو يشد عليها مباركا؛ألجمتها المفاجأة وغمغمت ببعض كلمات غير مفهومة وكادت أن تروح في غيبوبة أنقذها منها صياح الابن عليها0
عرفت من الابن انه والد صديقه الحميم وأيضا زميله في الدراسة كما أدركت كيف تعرف عليها فقد رأى صورتها مع الابن أثناء حديث جمعهما معا وطبيعي أن يتعرف على رقم التليفون والعنوان بعد أن تعرف عليها تقريبا من الابن الذي لا يمل الحديث عنها كعادته ؛ وكيف أنها نذرت حياتها للاعتناء به بعد أن فقد والده حياته في حاث وهو بعد مازال ابن الأربعة سنين ؛ بصعوبة بالغة أبدت تذمرها من الابن عن حديثه عنها دائما وخاصة مع الأغراب ،ولكنه أخبرها بأنه لا يعتبر والد صديقه غريبا وأخذها من هذا الحديث وأخبرها كيف أن أصدقائه الذين رأوها لأول مرة لم يصدقوا أنها أمه ؛ وأنها على أكثر تقدير أخته ؛ ثم أخبرها ضاحكا كيف أن ثلاثة من أصدقائه طلبوا يدها منه 0 لأول مرة تسعد بهذا الكلام وعلت وجهها حمرة الخجل 0
أيقظها رنين التليفون من كوابيس وأحلام؛ نادت على الابن ليرد ؛ ولكن لا مجيب ؛فنهضت ورفعت السماعة فجاءها صوته حنونا دافئا ؛ أوشكت أن تقفل الخط ؛ وكأنه عرف بما تنتويه فرجاها ألا تفعل ؛ طلبت منه أن يتركها بعض الوقت حتى تغسل وجهها وتعد لنفسها كوبا من الشاي ؛ ولكنه أخبرها بأن تفعل ما تريد بسرعة لأنه سينتظرها ورجاها للمرة الثانية ألا تغلقه 0 فنهضت بسرعة واعدت نفسها وارتدت ثيابها وخرجت وتركته ممسكا بسماعة التليفون0
أخذت تسير بلا وجهة ثم فكرت أن تبتاع لوازم المنزل ؛ ولكنها شعرت بالرغبة أكثر في السير فأجّلت لوازم المنزل إلى أن تفرغ رغبتها في التجوال ؛ وجدت نفسها في الشارع التجاري فأخذت تشاهد واجهات المحال التجارية ثم شدها محل معين للدخول فيه وخرجت منه وقد اشترت بعض أدوات التجميل وثوبا جديدا0
أكثر من ثلاثة ساعات قضتها في التجوال ثم عرجت لتبتاع ما يحتاجه المنزل
وشعرت بالتعب في ساقيها فأوقفت سيارة أجرة وقررت أن تعود للمنزل ؛ بمجرد أن فتحت باب المنزل فاجأها الابن بثورة عارمة ثم أجهش في البكاء ؛ وعرفت في هذه اللحظة أن حياتها التي أوقفتها على هذا الولد لم تضع سدى ؛ فقد فهمت منه أنه وهو في الخارج اتصل بها تليفونيا ولكنه وجد الخط مشغولا لمدة طويلة جدا فتسارعت في رأسه الظنون فأسرع عائدا وعندما وجد سماعة التليفون مرفوعة وأمه ليست بالمنزل زادت دقات الظنون ارتفاعا في رأسه وغلبته الحيرة ماذا يفعل
؟ ,أين يمكن أن تكون ولماذا تركت المنزل في هذا الوقت على غير عادتها0

ضمته بقوة وراحا معا في بكاء ضاحك وعتاب رقيق سألته أيخاف عليها أن تضل الطريق فأجابها بأنه خاف أن يكون حدث لها ما يسوء وغابت عبارات الاطمئنان والعتاب وحلت محلها جلسة تذكر للأيام الماضية ؛ طفولته وصباه؛ وهاهو الآن أصبح رجلا وعلى وشك أن يتركها ؛ ثم نهضت للمطبخ0
جلس الابن وحده يفكر ؛ وحدث نفسه كم هو أناني ؛ يفكر في نفسه فقط ولم يفكر في والدته رغم كل حياتها التي انقضت وقفا عليه إلا أنه بكل بساطة على وشك أن يتركها وحيدة ؛ لماذا ؟ ألا يمكن أن تكون هناك في مدينتهم أو مدينة قريبة كلية أخرى من الممكن أن تتوافق مع رغباته ولو لبعض الشيء؟ الم يأتي عليه الدور كي يقوم هو أيضا ببعض الواجبات نحو أمه ؟
حينما وصل إلى هذه الدرجة من التفكير عزم على أمر وقرر أن يفاتح والدته به والتي حتما ستفرح كثيرا لأنها مرارا طلبت منه هذا ؛واستراحت نفسه لهذا الأمر ثم راح في غفوة أيقظه منها صوت الأم وهي تدعوه للغداء0
لم تكمل طعامها وقامت وهي غاضبة ؛ بعد أن أخبرته بصوت عال أنه يجب أن ينفذ ما انتوى عليه سابقا وعليه ألا يشغل باله بها لأنها ستكون في أحسن حال وهى تراه وهو يحقق طموحاته التي طالما تغنى بها ؛
لماذا كل هذا الغضب؟ وهل تقابل رغبة ابنها بألا يتركها وحيدة ويسافر بكل هذا الصوت العالي ؟ أم أنه كان واجبا عليها أن تشكره ثم تبين له بهدوء أن سعادتها في أن يحقق كل أحلامه؟ أخذت تسائل نفسها كل هذه الأسئلة وغيرها ؛ ثم استجابت بسرعة للمسات يديه وهو يربت عليها ؛ ومسحت بعضا من دموع تسللت لوجنتيها ؛ ثم أخذت تشرح له مدى سعادتها حينما تعد له أغراض سفره ؛ وعندما تتهيأ لاستقباله في العطلات ؛ بل وربما ستذهب إليه حيث يدرس لتتعرف على مدينة جديدة وبدون أن تشعر أخذته إلى حيث يتكلم عن صديقه ووالده ؛ أما هو فأجلسها ثانية أمام الطعام وراحا يتبادلان الحديث أثناء تناوله0
عرفت أن صاحب الوجه الباسم يشاركها تقريبا نفس الظروف ؛ فقد هجرته زوجته منذ أكثر من عشرة أعوام وتركت له ولدا وبنتا ؛ وفي كل هذه السنوات لم تكلف هذه الأم القاسية نفسها بمجرد السؤال عن أبنائها ؛ عرفت من ابنها أيضا عادات هذا الرجل وكيف أن الابتسامة لا تفارق شفتيه أبدا وهو باختصار ابن نكتة
وعرف أيضا كيف يكون صديقا لأبنائه 0
دق جرس التليفون فكادت أن تطير إليه عله يكون هو المتحدث ولكن الابن
هو من رد على التليفون وراح في حوار مع الآخر الموجود على الطرف الثاني فتذكرت كيف ارتدت لمراهقة صغيرة حينما تركت نفسها في الأيام الماضية تتجاذب الحديث التليفوني مع هذا الذي لم تكن تعرفه ، وكيف أنه أسرها بنبرات صوته الهادئة وهو يخبرها عن حياتها وعن أدق التفصيلات في ما تفعله في المنزل، وكيف استسلمت تماما لكلماته الواصفة لجمالها ولأنوثتها ، وحينما تذكرت كيف ألح عليها في أن تقابله لأن عنده الكثير جدا من الكلمات التي لابد أن يقولوها وهو ينظر في عينيها الجميلتين ، وكيف انساقت كالبلهاء كي تذهب إليه في الموعد والمكان الذي حدده 0
حينما وصلت إلى هذه النقطة من التذكر حمدت الله على أن أحدا لم يراها وهى جالسة معه ، خاصة وان هذا المكان يعج بمن هم في عمر ابنها ، يا الله كيف لو أن أحدا من زملاء الابن رآها وأخبره ؟ بماذا كانت ستخبره؟ حمدت الله مرة ثانية وعزمت على ألا تكرر هذا الأمر ، ووجدت نفسها تصيح بصوت عال على الابن وتطلب منه أن يجد طريقة لإعادة آلة الرد التليفونية للعمل أو يشترى جهازا آخر 0 ولكنها بسرعة تمالكت نفسها وسألتها ماذا لو قال كلاما لا يليق بأن يسمعه ابنها إذا صادفت الظروف وكانت هي خارج البيت واستمع للرسائل الموجودة , فوجدت نفسها تخبره بألا عليه وبأنها ستتولى هذا الموضوع بنفسها
مرت أيام لم ترفع فيها سماعة التليفون ، وعندما أخبرها الابن بأنه سيسافر لعدة أيام ، توجس قلبها خيفة أن تعود للضعف والرد على التليفونات الكثيرة التي تعرف يقينا أنها منه ، ولكن اليوم الأول مر وهي على موقفها ؛ وفي صباح اليوم التالي استيقظت من نومها على رنين جرس الباب المتواصل؛ على غير عادتها نظرت لتعرف من بالباب قبل أن تفتح ، وجدته واقفا أمام الباب وترتسم على شفتيه ابتسامته المعهودة ؛ فرحت وأوشكت أن تفتح الباب ؛ ولكنها استجابت للدافع الذي جعلها تهمله وتعود للنوم ثانية 0
حينما نهضت سألت نفسها إذا كان ما مر حلما أو حقيقة ؛ ولكنها عرفت الرد عندما وجدت بطاقة تحمل اسمه بجوار الباب ؛ للمرة الثانية فرحت وملهوفة كانت تود أن تقرأ تلك الكلمات المكتوبة ؛ ولكنها أيضا للمرة الثانية استجابت لهذا الشيء الذي جعلها تمزق البطاقة دون أن تقرأ مافيها ، وارتدت ملابسها وخرجت لتتعرف على عادة جديدة هي التسكع في الشوارع والجلوس في الحدائق العامة ؛ مر اليوم الأول بهدوء ولكنها في اليوم الثاني وهي تجلس في الحديقة التي اختارتها ترقب المارة والعربات وجدت نفسها عرضة لمعاكسات ذات طابع سمج وتفتقر إلى الحياء، فنهضت بسرعة وهي تفكر في وسيلة أخرى لقتل الوقت ، ولكنها سالت نفسها إذا كان هذا هو الحال والابن سيتغيب لأيام فقط فماذا سيكون عليه الحال عندما يبدأ العام الدراسي؟
وجدت رسالة على الأرض بجوار الباب ففتحتها لتقرأ مافيها ، كانت منه يخبرها بأنه يعرف أن الابن مسافر وإلا ما كان ترك هذه الرسالة هكذا ، وحدثها عن وحدته ووحدتها خاصة عندما يلتحق الابن بجامعته ؛ وعلت وجهها ابتسامة عندما قرأت أنه يراها أجمل امرأة على وجه العالم ، وبأنه أحبها من قبل أن يراها من خلال حديث الابن الدائم عنها ن وبأنه عندما رآها للمرة الأولى تحول هذا الحب إلى وجدان دائم وعشق يملأ عليه كل كيانه ، وكيف أنه تحول إلى مراهق صغير يسهر الليل ويسمه أغنيات أم كلثوم ؛ ورجاها بأن ترحمه ولا تتهرب منه وأن ترد على تليفوناته ، ابتسمت وقررت أنه في الصباح سوف ترد على التليفون لأنها ستهجر عادة التسكع والتجول ؛ ولكن هذه الليلة لا ؛ فذهبت للفراش بعد أن نزعت سلك التليفون من الحائط0
في الصباح استيقظت على أحضان وقبلات الابن ؛ وعندما سألها لماذا قامت بفصل التليفون أخبرته بأنه كانت هناك معاكسات فقررت أن ترتاح منها ، قام بتوصيل التليفون الذي يبدو انه كان ينتظر هذا فقام بالرنين على الفور، أخبرها الابن بأن قد دعا زميله للغداء معهما وبأن عليها أن ترفع رأسه ؛ لم تبد أي رد فعل ونهضت واتجهت للمطبخ0
بعد الغداء وأثناء الحديث المعتاد شكت في أمر ما ن ولكنها استبعدته على الفور ، وعندما كان العرض أن يذهب الجميع في نزهة ليوم كامل وطلب الابن منها بإلحاح أن تقبل ، عاد إليها الشك؛ ولكنها قبلت في النهاية ، جاهدة نجحت في تحاشى النظر إليه أو الحديث المباشر له ؛ خاصة بعد أن زاد الشك لديها ، وقامت ببعض علامات تدعو الضيوف بها للانصراف ؛ اختلت بالابن وقررت أن تضع مجالا لهذا الشك ؛ وأخذت تستجوبه تارة؛ وتستميله أخرى ؛ إلى أن تحول الشك إلى يقين ؛ فقد علمت أن الابنان ؛ ابنها وابنه اتفقا مع بعضهما بعد أن استعرض هذا ظروف والدته واستعرض ذاك ظروف والده ؛ حاولا أن يجمعا بين الاثنين ؛ ثارت وصرخت وبكيت وانتابتها حالة من الهستريا؛ كيف يفكر في أمر هكذا ؟ وهل هانت عليه لدرجة أن يعرضها كالمتاع القديم؟. أقسم لها بكل الأشياء أن والد زميله لا يعرف شيئا عن الموضوع وأنه وأنه وأنه 000 لكنها لم تسمع شيئا واتجهت لغرفة نومها وأغلقت الباب في عنف ؛ وسمع الابن صوت بكاء ونحيب0
بعدما مرت ساعات فتحت الباب وأخبرت الابن الذي كان قابعا كالحارس بجوار الباب أن عليه النزول لشراء مستلزمات النزهة ؛ ثم دخلت وأقفلت الباب، في المساء أخبرته بأنها ستخرج معهم فقط حتى تحافظ عليه وعلى كلمته وعليه ألا يخبر صديقه بأنها عرفت ؛ وافقها بإشارة من رأسه ؛ فدخلت وأقفلت عليها الباب0
أخذ الولدان يلعبان بالكرة وتركوهما معا ؛ قبل أن يفتح فمه ليحدثها أخبرته بأن عليه أن ينسى ذاك اللقاء ؛ وأنها كانت لحظة جنون لن تعود ؛ أخبرها بأنه يحب الجنون وأصحابه ؛ مرع عليهما بائع " الآيس كريم" فاستوقفته واشترت منه للجميع وأخرجت ورقة نقدية بفئة كبيرة فأجابها البائع بأنه لا يملك الفكة لهذا الورقة؛ سألته إذا كان معه فكة لتدفع ثمن ما اشترت ؛ فاجأها بيده تمتد وتأخذ منها الورقة ؛ وضعها في حافظته وأخرج من جيبه عملات لا تساوى ورقتها وأعتذر بأن هذا كل ما معه من فكة وأنه سوف يرد إليها الباقي آجلا ؛ تعجبت ومر بذاكرتها لقاء الكازينو وكيف أنه طلب مشروبا واحدا لأجلها ؛ وعندما انصرفت وهي بالطبع لم تشربه ؛ لمحته في التفاتة لم تعلق ببالها وهو يجرعه دفعة واحدة قبل أن يلحق بها0
نهضت وأعطت للولدين نصيبهما ؛ ثم سارت قليلا ، استوقفها أحدهم وسألها عن الساعة ؛ فأجابته ؛ فشكرها وانصرف ؛ ثم استوقفها آخر يشكو إليها مرضا الم بأحد أبناءه ويطلب مساعدة ؛ فرقت لحاله ؛ وأخرجت نقودا ؛ ومدت يدها إليه مصافحة وأعطته النقود بدون أن يرى الناس ؛ هكذا كانت عادتها عندما تعطي0فوجئت بصوته غاضبا من وراءها ؛ وامسك كتفها ؛ وأدارها إليه ؛ وجعل يعنفها كيف تحدث شخصان غريبان ؛ وبأن عليها أن تحسب حساب للرجال الذين معها ؛ وكيف أن هذا سلوك لا يليق بامرأة محترمه ؛ تركته وسارت وأخبرت ابنها بأن عليه أن يعود وحده ولا يصحب أحدا معه0
لحقها الابن بصعوبة ؛ حاول أن يفهم ما حدث ؛ لكنها لم تخبره ؛ وأخذته واتجهت لمكتب جريدة مشهورة؛ ودفعت ثمنا لإعلان عن طلب مبادلة شقتها بأخرى في المدينة التي تقع فيها الكلية المختارة 0
تمت
www.elhamzawy.jeeran.com












Saturday, August 20, 2005

قضاء وقدر




قضاء وقدر
مجدى الحمزاوى



لم يسأل عليه أحد؛ ثلاثة أيام قضاها في هذه المستشفى يعانى من الرضوض والكدمات؛ والتسلخات التي غطت ظهره كاملا؛ ولكن لم يسأل عليه أحد0 هل يعطيهم العذر فهو في بلدة تبعد أكثر من مائتي كيلو متر عن بلدته 0؟. ولكن إن كان هذا عذرا للأصدقاء فما هو عذر الزوجة؛ الأولاد؛ الأشقاء0 ربما لم يصلهم الخبر! ولكن كيف فجميع من أعطاهم أرقام التليفونات أخبروه بأن الرسالة وصلت؛ بل إن الممرضة أعطته إيصال التلغراف الذي طلب منها إرساله لزوجته 0
جاءه الطبيب؛ فحصه وقرر أن يخرج اليوم؛ كيف ؟ وهو ليس معه نقود؛ فعندما سقط من الأتوبيس على ظهره ، مثلما تطوع أولاد الحلال لينقلوه للمستشفى؛ تطوع أيضا بعض أولاد الحرام ليسلبوه نقوده 0
عندما سألته الممرضة عن سر وجومه والمفروض أن يفرح لأن الطبيب أمر له بالخروج؛ لم يرد عليها، فما كان منها إلا إن تبسمت في وجهه؛ ودست في يده عشرين من الجنيهات؛ وقبل أن ينطق أخبرته بأنها سلفة ولابد أن يردها عن طريق إرسالها مع أي شخص أو حتى عن طريق الحوالات البريدية 0 لم يكن يملك الرفض فقبلها شاكرا0
وهو في الطريق للنزول من على سلم المستشفى راودته أفكار عديدة، سائل نفسه هل سيبقى على تلك المرأة التي لاهم لها في الحياة إلا تنغيص عيشته؛ والتي لم تهرع إليه حينما علمت بإصابته، وهل سيزال ينفق على هؤلاء الأولاد ناكري الجميل ؟ أم أنه لابد من تركهم للاعتماد على أنفسهم مثلما اعتمد هو على نفسه حينما كان في عمرهم ، وهل سيذهب إلى إخوته0؟
عقد العزم على الطلاق من زوجته أو الهجر على الأقل، وسيخرج الأولاد من الدراسة؛ الولدان لابد إن يشقا طريقيهما في الحياة بعيدا عنه 0 ومن يرد أن يكمل تعليما فليتعلم بنقوده؛ أما البنت؛ صحيح أنها في العام الأخير من كليتها؛ ولكنه قرر أن يزوجها للميكانيكي الذي طلب يدها منه وسيدفع مهرا محترمــا سيأخذه هو بالطبع؛ فالميكانيكي يريدها بحقيبة ملابسها؛ هكذا قرر0
خرج من باب المستشفى وقبل إن يخطو الخطوة الثالثة لمح من يندفع في اتجاهه وينادى باسمه، في لحظة كان في أحضان هذا الوافد الذي تعرف فيه على عم السيد بائع الترمس على ناصية الشارع الذي يسكن فيه0 شد عم السيد في أحضانه ويديه على الظهر المتسلخ، فلم يطق صبرا على الألم فدفعه دفعة هائلة قذفته في وجه سيارة الإسعاف المسرعة0

مجدي الحمزاوي
hamzawy@hotmail.co.uk

مقبرة السيارات



مقبرة السيارات
مجدى الحمزاوى

كان الشيخ صالح – وهو أي الشيخ صالح لم يكن خريجا أزهريا؛ بل إنه لم يذهب إلى مدرسة أساسا؛ ولم يكن يرتدى العمامة، كل علاقته بالدين كانت انه بحكم عمره ولحيته البيضاء حينما يذهب إلى المسجد مضطرا فإن أهالي القربة كانوا يجعلون منه إماما لأنه لم يكن يحفظ من القرآن إلا سورتي الإخلاص والعصر، وفى هذا فرصة لهم للخلاص من الصلاة بسرعة 0
عود إلى الشيخ صالح0 ورأينا أن سبب تسميته بالشيخ ستأخذ وقتا وإنه من السياق من الممكن أن نعرف لماذا .
هذا الشيخ صالح منذ أيام قليلة دخل عليه ابنه محمود ليخبره أنه قرر أن يشترى عربة نصف نقل 0 هاج الشيخ صالح وماج فهو لا يخاف إلا من شيئين السيارات وأم محمود رحمها الله 0 وكم كان يحمد الله على أن القطار يمر بقريتهم فكان إلى عهد قريب يركب هذا القطار إلى البندر 0 وفي هذا البندر كان دائما يسير على قدميه مهما بعدت المسافة0 وكان لا يسير أبدا بنهر الطريق بل بجوار الحوائط والجدران 0 ماعلينا00
هاج الشيخ صالح وماج وارتفع صوته؛ وبناء على ارتفاع ذلك الصوت أقبلت بعض المعارف والجيران0
عندما عرفوا الحكاية قرروا بنفس واحد أن على الشيخ صالح أن يترك محمودا ليشترى العربة 0 فهي ستساعد ه في عمله؛ بالإضافة إلى جواز تحقيقها لدخل إضافي 0
في اليوم الموعود0 حينما أقبل محمود وهو يقود العربة الجديدة ووضعها أمام البيت ؛ ونزل منها لكي يستقبل مظاهرة التهاني التي كانت تعدو وراءه عندما دخل البلدة0
دعاهم إلى كوب من الشاي واصطفت المقاعد وبعض الحصير وراح الجميع يهنئون ومحمود يستقبل التهاني أما الشيخ صالح فعندما رأى السيارة واقفة اقترب منها بحذر شديد مادا عصاه أمامه؛ وراح يجس السيارة بتلك العصا وارتسمت على وجهه الكآبة ودخل الدار مسرعا0
في القرية حينما يكون هناك جمع للكبار فإن الصغار أيضا لهم الحق في حضور هذا الجمع ولكن بطريقتهم0
تجمع عدد من الصبية بينهم بالطبع سيد ابن محمود ابن الشيخ صالح؛ وكما يقولون إن أعز الولد ولد الولد؛ كان هذا السيد محببا ومقربا من جده- أيضا ما علينا من سرد هذه الوقائع المعروفة مسبقا والداخلة في حكم السياق العادي للأحداث - المهم أن الصبية كانت تلعب حول السيارة بل و عليها وكان سيد وهو ابن صاحب السيارة يباشر مهامه بالمنع أو المنح للمس هيكلها أو الصعود فوق صندوقها0
حينما دارت أكواب الشاي _ ولا تسألني من الذي أحضرها لأن هذه نقطة أغفلها الراوي 0
حينما دارت أكواب الشاي وراح جمع الكبار في الحديث عن أمور لاداعى للخوض بها، إذ بهم يسمعون صوت نفير السيارة عاليا ثم يلمحونها وهى تندفع للإمام ثم صرخة عالية ، أتبعها صراخ باقي الصغار0
في جنازة سيد بن محمود بن الشيخ صالح بعد صلاة العشاء، انتشرت الأقاويل0 فالبعض راح يحدث عن كيف أن الشيخ صالح كان يعلم ما جرى ولذلك كان ضد السيارة، ولكن المهم هو في الحديث عن كيف مات سيد بن محمود بن الشيخ صالح0
هناك من أقسم بأنه رأى والعياذ بالله يقود السيارة تلك المسافة التي لا تتعدى المترين لتدهس سيدا الذي كان يلعب أمامها؛ والبعض الآخر اقسم انه سمع صوت محرك السيارة يدور، وهناك من قال بأنه سمع مناديا ينادى محمود ابن الشيخ صالح ويخبره بأنه سيعرف الآن نتيجة عدم سماع كلام الأب؛ وراح الجميع تقريبا يلومون أنفسهم على ضغطهم على الشيخ صالح كي يسمح بشراء السيارة، والأهم من هذا عن عدم انتباههم لنباح الكلاب ونهيق الحمير وهم يشربون الشاى0
واحد فقط كان يعرف الحقيقة ولن أقول لك بالطبع من هو، ولكن الحقيقة كما وصلتني هيّ إن صبيا غافل سيد بن محمود بن الشيخ صالح وزحف داخل السيارة أعجبه شكل عجلة القيادة والملحقات التي بجانبها فامتدت يديه إليها فارتفع صوت النفير ولأن السيارة كانت فوق منحدر فانه عندما ارتمى الصبي على أرضية السيارة خوفا من صوت النفير ارتطم بأشياء جعلت السيارة حرة الحركة فوق ذاك المنحدر0
بعد الجنازة خرج الشيخ صالح إلى حيث كان محمود يجلس مع المعزين وقرر أنه لابد إن تموت تلك السيارة كما قتلت سيدا!0 هكذا قالها بكل ببساطة ثم أردف أنه لن يشفى غليله إلا حينما يسير في جنازة تلك السيارة كما سار في جنازة سيد0
وجم الجميع، وأشفق البعض عليه من الحزن الذي سيذهب بعقله؛ ولكن محمودا صرخ متسائلا كيف ستموت تلك السيارة؟ ولماذا؟ وهل يكون الأمر كما يقولون " موت وخراب ديار "!؟
ولكن الشيخ صالح أعلنها مرة أخرى وفى نفس الوقت قطع الطريق على من تقول بأن عقله على وشك الذهاب من الحزن، فقد أعلن بأنه لابد وان تدفن تلك السيارة كما هي ملطخة بدماء حفيده 0 وان كان محمود يستشعر الخسارة فإنه أي الشيخ صالح على أتم الاستعداد لأن يعوض محمودا عن ثمنها من ماله الخاص0
انبرى مسعود الجلخ – هكذا كانوا يسمونه ولا أعرف لماذا0 مع انه يعمل سمكري سيارات ولا دخل للجلخ بعمله كما أظن 0
المهم انبرى محمود الجلخ - الذي وجدها فرصة يحقق بها رغبة الشيخ صالح ذلك الرجل التقى كما أعلن للجميع وفى قرارة نفسه هي أيضا فرصة جيدة كي يكسب بها عدة آلاف من الجنيهات - وقف مسعود وأعلن انه لابد من إطاعة الشيخ صالح هذه المرة 0 ويكفى ما حدث عندما لم يطع محمود أباه واشترى السيارة00وقرر بأنه من سينفذ إرادة الشيخ صالح.اتجه محمود للشيخ صالح واسر له بشيء أعقبه أن نادى الشيخ صالح على ابنه محمود وأمره بأن يعطى مفاتيح السيارة لمسعود وأيضا مبلغ مائتي جنيه0 حينما حاول محمود أن يسأ ل عن السبب أسكتته صرخة من أبيه ألجمته على الفور0
بقي أن تعرف إن مفاتيح السيارة والمائتين من الجنيهات كانتا لزوم مشوار تجهيز رخصة دفن السيارة0 هكذا قال مسعود للشيخ صالح0
حينما ركب مسعود السيارة وسار بها متعجبا من سذاجة الشيخ صالح في موضوع دفن السيارة؛ وأيضا تصديقه لموضوع رخصة دفن السيارة التي تستلزم هذا المبلغ من المال 0 وأخذ بفكر عن أفضل مشتر لمحتويات السيارة التي لن يبقى منها إلا هيكلها حتى يشاهده الشيخ صالح وهو يدفن تجنبا للإشكالات ووجع الدماغ0
وعندما فكر في ثمن هذا الهيكل الذي سيدفن؛ شعر بكثير من الأسى وراح يفكر عن وسيلة تخلصه من ذاك الأسى0
وهو في تفكيره العميق أفاق على صوت ا بواق عالية من سيارة من التريللا آتية من وراءه بسرعة هائلة؛ أعطى الإشارة بأنه سيأخذ يمين الطريق؛ وهو في طريقه لأخذ يمين الطريق شاهد قطة كان على وشك إن يدوسها فأخذ يساره بسرعة0
يحكى الناس كيف إن التريللا سحقت السيارة النصف نقل تماما فقد صعدت فوقها وجعلتها أشبه بقطعة صفيح مستوية0
حار الناس كيف سيخرجون جثة مسعود من داخل هذه السيارة 0 وهم في حيرتهم توقفت بجانبهم سيارة نزل منها شيخ معمم؛ ما إن عرف الموضوع حتى أفتى بأن يدفن الجثمان وهو على حالته بداخل السيارة؛ مادامت تلك السيارة لم يعد فيها شيء صالح0
هكذا تحقق ما أراد الشيخ صالح ,ودفنت السيارة بداخلها جثة مسعود0 وفى كل يوم يذهب الشيخ صالح إلى حيث دفنت ويضرب بعصاه الأرض قبل إن يذهب لقراءة الفاتحة على روح حفيده0
مجدي الحمزاوي

صداع



صداع
مجدى الحمزاوى



كان يدور بسرعة أكبر من إن يتحملها هذا المكان المزدحم؛ وفجأة أصدر صوتا عاليا وارتفعت درجة حرارته؛ وفقد بعضا من جلده نتيجة احتكاكه القوى بالأرض0
نظر يمينا ويسارا فلم يجد سببا لكي يقوم هذا الأرعن بهذا التوقف المفاجىء؛ اللهم إلا إذا كان السبب هو مجرد إخافة هؤلاء الفتيات !.
عاد لكي يدور بنفس السرعة السابقة ولكنه هدأ قليلا عندما عرف انه في الطريق إلى خارج البلدة؛ زادت سرعة دورانه بدرجة أكبر من أن يتحملها ذاك الطريق ولكنه أيضا كان هادئا فالطريق شبه خال من السيارات الأخرى؛ كما أنه لا يوجد هناك من يسيرون على أقدامهم 0 ولكن يجب إن تبطىء السرعة الآن فالمطب الصناعي الكبير والذي يوجد به العديد من النتؤات المعدنية أصبح على بعد المائتى متر0
السرعة لم تخف وهو في حالة من الغيظ أعد نفسه لارتطام ثم قفزة في الهواء يصحبها بعض الألم من أثار تلك القطع المعدنية0 ولكن هذا الأرعن فعلها ثانية على بعد أقل من متر واحد من هذا المطب؛ احتك بالأرض مصدرا صفيرا عاليا وزادت درجة حرارته, أيضا كان الاصطدام وقفزة الهواء وهذا الألم المنبعث من أثار تلك
القطع المعدنية؛ عاد ثانية للدوران بنفس السرعة السابقة ولكنه كان يشعر بصداع شديد نتيجة ارتفاع درجة حرارته والتي زادت من شدة الضغط عليه؛ وزاد من شعوره بالحزن تذكره كيف – وهو أهم جزء في تلك السيارة – عندما يحاول هذا الأرعن الاطمئنان عليه فإنه يركله عدة مرات بقدمه؛ في الوقت الذي ينحني فيه – هذا الأرعن – لكي يمسح باهتمام بالغ تلك القطعة المعدنية المستديرة والتي ثبتها من فوقه وأيضا التي ساهمت في شعوره بالإرهاق نتيجة هذا الثقل الزائد الذي عليه إن يدور به 0
في محاولة للخروج من هذا الصداع راح يستعرض الطريق الذي يدور عليه وسره النظر إلى مجرى الماء عن يمينه والأشجار من على يساره؛ ولكنه في أسى راح يتذكر كيف انه عندما كان معروضا في الرصيف أمام المتجر كان ينظر بحسد إلى الإطارات الأخرى التي تدور بعرباتها وكيف كان يحسدها لأنها تؤدى عملها وأنها كل لحظة ترى مشهدا جديدا وهو في هذه الجلسة المملة على الرصيف أمام المتجر0
ولكن هذا الأرعن فعلها ثانية؛ زادت درجة حرارته بدرجة كبيرة؛ واشتد عليه الصداع؛ لم ينظر ليعرف ماهو السبب ولكنه صرخ صرخة هائلة واندفع نحو الماء كي يخفف من درجة حرارته0

مجدي الحمزاوى -مصر-
hamzawy@hotmail.co.uk
http://elhamzawy.jeeran.com

rغضـــب




غضـــب
مجدى الحمزاوى


كالمصعوق؛ لم يلتفت يمينا أو يسارا، وبملابس النوم نزل إلى الشارع، وسار لا يعرف إلى أين وترك المهمة للقدمين كي تحددا المسار، الفجر أوشك، وهاهو يسمع صوت المؤذن 0 تمالك نفسه لبرهة وقرر أن يصلى الفجر0
انتقلت المهمة من قدميه إلى أذنيه كي تقودانه للمسجد 0 لم يقف بين يدي الله كما ينبغي؛ فصورة ما حد ث كانت ماثلة أمامه في كل لحظة 0
حينما انتهت الصلاة خرج مسرعا للشارع وحاول أن يشق صدره كي يسمح لأكبر كمية من الهواء بالدخول فإنه يشعر بالاختناق 0
مد يديه في جيوبه وساعتها أدرك أنه نزل للشارع بملابس للنوم ومامن من شيء في جيوبه، بشجاعة لا يعرف كيف واتته اتجه للرصيف المقابل صوب هذا الرجل الواقف يدخن سيجارته في انتظار شيء ما، وطلب منه سيجارة أشعلها وأخذ نفسا عميقا وسار0 اقترب من الكوبري الممتد فوق النهر فقرر أن يسير فوقه عسى أن تخف قليلا حدة الشعور بالاختناق0 في منتصف الكوبري توقف وتذكر كيف كانا يسيران معا متلاصقين والأصابع متشابكة 0 ولكن كيف واتتها الجرأة كي تقول له مثل هذا الكلام ؟ وتدفعه في صدره حينما حاول أ ن ينهرها؛ رأى صورة أبيه وهو يخبره أنه غير راض عن هذا الاختيار ولكنه ترك القرار له0 استحضر صورة أبيه وسند مرفقيه فوق سور الكوبري وأخبر أباه أنه عندما سيعود للبيت فإنه سيأخذها إلى بيت أبيها، يأخذها!! بل سيطردها ولتذهب حيثما شائت0
عندما تراءى له والده وهو يشكك في مقدرته على القيام بهذا، ارتفع صوته وأقسم بالله العظيم أنه سيطلقها ونظر حوله كي يشهد أي شخص على قراره ولكن لم يكن هناك أحد 0
نزع الدبلة من يده كي يؤكد لأبيه قراره ورماها عاليا في الهواء بحيث عندما تسقط يكون مثواها النهر 0 عندما رمى الدبلة في الهواء تلاشت صورة أبيه وجاءت صورتها وهى باسمة كما يحب أن يراها 0 فقفز عاليا بزاوية معتقدا أنه من الممكن أن يلقف ما رماه ونسى تماما ارتفاع الكوبري عن الماء وأنه لا يعرف السباحة0

مجدي الحمزاوي

Friday, August 12, 2005

تحول


من حكايا الأصدقاء
مجدى الحمزاوى

(2)


حدثنا ممدوح بن حجازي فقال أنه في فترة السبعينات وهو في ريعان الشباب ؛ ويذهب كل يوم للنادي الرياضي كي يمارس هوايته في لعب كرة الطاولة؛ كان يسلك هو وصديق له جمعتهما معا كرة الطاولة والجيرة- طريقا واحدا لا يتغير في رحلة الذهاب؛ أما في لإياب فكان الأمر يختلف ؛ كان الطريق الذي اختاراه يمر أمام مبنى مباحث أمن الدولة القديم ؛ وفي يوم وهما في طريقهما أمام هذا المبنى الذي كانت حوله تدور القصص والأقاويل رأيا شيخا وهو يقف ويرفع صوته بالسباب لأفراد هذا الجهاز معددا ؛ أن الأسعار زادت ومشكلة الإسكان قد استفحلت والمواصلات الرديئة ...الخ وكان يشفع كل مشكلة يسردها بفاصل من السباب والدعاء لله بأن يخلص البلد من كل هذا.
حينما نظر كل واحد منهما للآخر متعجبا ولم يقدر أن ينطق بكلمة من هول هذه المفاجأة ؛ ومضيا في طريقهما ؛ تطوع الذي كان يسير وراءهما ليخبرهما بأن هذا الرجل يأتي كل يوم وفي نفس الموعد ويقول نفس هذه الكلمات.
من يومها وأصبحا يحافظان على هذا الموعد ليريا هذا الفاصل من ذاك الرجل؛ ولكنهما في يوم مرا ولم يجدا هذا الرجل فقالا أنهما ربما جاءا بعد أن انصرف, وفي اليوم التالي بكرا في الذهاب , ووقفا أمام الشارع ينتظران هذا الرجل ولكنه لم يأت , استمرت غيبة الرجل لأكثر من شهرين كانا فيهما يواظبان على المرور من هذا الشارع وأمام البناية علهما يجدا الرجل أو يسمعوا عنه خبرا ولكن هيهات , وراحت إجابات الأسئلة تضع نفسها في راس كل منهما ولكن أحدا لم يستطع أن يخبر الأخر بهذه الإجابات .
وفي يوم وهما ماران في هذا الطريق وقد بدأ الأمل في رؤية هذا الرجل يتسرب منهما رأياه جالسا أمام باب هذه البناية وهو يرفع صوته قائلا بأن الأسعار جيدة وفي متناول الجميع والوحدات السكنية متوافرة وأزمة المواصلات لم يعد لها وجود ثم يشرع في البكاء .