Saturday, August 20, 2005

قضاء وقدر




قضاء وقدر
مجدى الحمزاوى



لم يسأل عليه أحد؛ ثلاثة أيام قضاها في هذه المستشفى يعانى من الرضوض والكدمات؛ والتسلخات التي غطت ظهره كاملا؛ ولكن لم يسأل عليه أحد0 هل يعطيهم العذر فهو في بلدة تبعد أكثر من مائتي كيلو متر عن بلدته 0؟. ولكن إن كان هذا عذرا للأصدقاء فما هو عذر الزوجة؛ الأولاد؛ الأشقاء0 ربما لم يصلهم الخبر! ولكن كيف فجميع من أعطاهم أرقام التليفونات أخبروه بأن الرسالة وصلت؛ بل إن الممرضة أعطته إيصال التلغراف الذي طلب منها إرساله لزوجته 0
جاءه الطبيب؛ فحصه وقرر أن يخرج اليوم؛ كيف ؟ وهو ليس معه نقود؛ فعندما سقط من الأتوبيس على ظهره ، مثلما تطوع أولاد الحلال لينقلوه للمستشفى؛ تطوع أيضا بعض أولاد الحرام ليسلبوه نقوده 0
عندما سألته الممرضة عن سر وجومه والمفروض أن يفرح لأن الطبيب أمر له بالخروج؛ لم يرد عليها، فما كان منها إلا إن تبسمت في وجهه؛ ودست في يده عشرين من الجنيهات؛ وقبل أن ينطق أخبرته بأنها سلفة ولابد أن يردها عن طريق إرسالها مع أي شخص أو حتى عن طريق الحوالات البريدية 0 لم يكن يملك الرفض فقبلها شاكرا0
وهو في الطريق للنزول من على سلم المستشفى راودته أفكار عديدة، سائل نفسه هل سيبقى على تلك المرأة التي لاهم لها في الحياة إلا تنغيص عيشته؛ والتي لم تهرع إليه حينما علمت بإصابته، وهل سيزال ينفق على هؤلاء الأولاد ناكري الجميل ؟ أم أنه لابد من تركهم للاعتماد على أنفسهم مثلما اعتمد هو على نفسه حينما كان في عمرهم ، وهل سيذهب إلى إخوته0؟
عقد العزم على الطلاق من زوجته أو الهجر على الأقل، وسيخرج الأولاد من الدراسة؛ الولدان لابد إن يشقا طريقيهما في الحياة بعيدا عنه 0 ومن يرد أن يكمل تعليما فليتعلم بنقوده؛ أما البنت؛ صحيح أنها في العام الأخير من كليتها؛ ولكنه قرر أن يزوجها للميكانيكي الذي طلب يدها منه وسيدفع مهرا محترمــا سيأخذه هو بالطبع؛ فالميكانيكي يريدها بحقيبة ملابسها؛ هكذا قرر0
خرج من باب المستشفى وقبل إن يخطو الخطوة الثالثة لمح من يندفع في اتجاهه وينادى باسمه، في لحظة كان في أحضان هذا الوافد الذي تعرف فيه على عم السيد بائع الترمس على ناصية الشارع الذي يسكن فيه0 شد عم السيد في أحضانه ويديه على الظهر المتسلخ، فلم يطق صبرا على الألم فدفعه دفعة هائلة قذفته في وجه سيارة الإسعاف المسرعة0

مجدي الحمزاوي
hamzawy@hotmail.co.uk

0 Comments:

Post a Comment

<< Home