مقبرة السيارات

كان الشيخ صالح – وهو أي الشيخ صالح لم يكن خريجا أزهريا؛ بل إنه لم يذهب إلى مدرسة أساسا؛ ولم يكن يرتدى العمامة، كل علاقته بالدين كانت انه بحكم عمره ولحيته البيضاء حينما يذهب إلى المسجد مضطرا فإن أهالي القربة كانوا يجعلون منه إماما لأنه لم يكن يحفظ من القرآن إلا سورتي الإخلاص والعصر، وفى هذا فرصة لهم للخلاص من الصلاة بسرعة 0
عود إلى الشيخ صالح0 ورأينا أن سبب تسميته بالشيخ ستأخذ وقتا وإنه من السياق من الممكن أن نعرف لماذا .
هذا الشيخ صالح منذ أيام قليلة دخل عليه ابنه محمود ليخبره أنه قرر أن يشترى عربة نصف نقل 0 هاج الشيخ صالح وماج فهو لا يخاف إلا من شيئين السيارات وأم محمود رحمها الله 0 وكم كان يحمد الله على أن القطار يمر بقريتهم فكان إلى عهد قريب يركب هذا القطار إلى البندر 0 وفي هذا البندر كان دائما يسير على قدميه مهما بعدت المسافة0 وكان لا يسير أبدا بنهر الطريق بل بجوار الحوائط والجدران 0 ماعلينا00
هاج الشيخ صالح وماج وارتفع صوته؛ وبناء على ارتفاع ذلك الصوت أقبلت بعض المعارف والجيران0
عندما عرفوا الحكاية قرروا بنفس واحد أن على الشيخ صالح أن يترك محمودا ليشترى العربة 0 فهي ستساعد ه في عمله؛ بالإضافة إلى جواز تحقيقها لدخل إضافي 0
في اليوم الموعود0 حينما أقبل محمود وهو يقود العربة الجديدة ووضعها أمام البيت ؛ ونزل منها لكي يستقبل مظاهرة التهاني التي كانت تعدو وراءه عندما دخل البلدة0
دعاهم إلى كوب من الشاي واصطفت المقاعد وبعض الحصير وراح الجميع يهنئون ومحمود يستقبل التهاني أما الشيخ صالح فعندما رأى السيارة واقفة اقترب منها بحذر شديد مادا عصاه أمامه؛ وراح يجس السيارة بتلك العصا وارتسمت على وجهه الكآبة ودخل الدار مسرعا0
في القرية حينما يكون هناك جمع للكبار فإن الصغار أيضا لهم الحق في حضور هذا الجمع ولكن بطريقتهم0
تجمع عدد من الصبية بينهم بالطبع سيد ابن محمود ابن الشيخ صالح؛ وكما يقولون إن أعز الولد ولد الولد؛ كان هذا السيد محببا ومقربا من جده- أيضا ما علينا من سرد هذه الوقائع المعروفة مسبقا والداخلة في حكم السياق العادي للأحداث - المهم أن الصبية كانت تلعب حول السيارة بل و عليها وكان سيد وهو ابن صاحب السيارة يباشر مهامه بالمنع أو المنح للمس هيكلها أو الصعود فوق صندوقها0
حينما دارت أكواب الشاي _ ولا تسألني من الذي أحضرها لأن هذه نقطة أغفلها الراوي 0
حينما دارت أكواب الشاي وراح جمع الكبار في الحديث عن أمور لاداعى للخوض بها، إذ بهم يسمعون صوت نفير السيارة عاليا ثم يلمحونها وهى تندفع للإمام ثم صرخة عالية ، أتبعها صراخ باقي الصغار0
في جنازة سيد بن محمود بن الشيخ صالح بعد صلاة العشاء، انتشرت الأقاويل0 فالبعض راح يحدث عن كيف أن الشيخ صالح كان يعلم ما جرى ولذلك كان ضد السيارة، ولكن المهم هو في الحديث عن كيف مات سيد بن محمود بن الشيخ صالح0
هناك من أقسم بأنه رأى والعياذ بالله يقود السيارة تلك المسافة التي لا تتعدى المترين لتدهس سيدا الذي كان يلعب أمامها؛ والبعض الآخر اقسم انه سمع صوت محرك السيارة يدور، وهناك من قال بأنه سمع مناديا ينادى محمود ابن الشيخ صالح ويخبره بأنه سيعرف الآن نتيجة عدم سماع كلام الأب؛ وراح الجميع تقريبا يلومون أنفسهم على ضغطهم على الشيخ صالح كي يسمح بشراء السيارة، والأهم من هذا عن عدم انتباههم لنباح الكلاب ونهيق الحمير وهم يشربون الشاى0
واحد فقط كان يعرف الحقيقة ولن أقول لك بالطبع من هو، ولكن الحقيقة كما وصلتني هيّ إن صبيا غافل سيد بن محمود بن الشيخ صالح وزحف داخل السيارة أعجبه شكل عجلة القيادة والملحقات التي بجانبها فامتدت يديه إليها فارتفع صوت النفير ولأن السيارة كانت فوق منحدر فانه عندما ارتمى الصبي على أرضية السيارة خوفا من صوت النفير ارتطم بأشياء جعلت السيارة حرة الحركة فوق ذاك المنحدر0
بعد الجنازة خرج الشيخ صالح إلى حيث كان محمود يجلس مع المعزين وقرر أنه لابد إن تموت تلك السيارة كما قتلت سيدا!0 هكذا قالها بكل ببساطة ثم أردف أنه لن يشفى غليله إلا حينما يسير في جنازة تلك السيارة كما سار في جنازة سيد0
وجم الجميع، وأشفق البعض عليه من الحزن الذي سيذهب بعقله؛ ولكن محمودا صرخ متسائلا كيف ستموت تلك السيارة؟ ولماذا؟ وهل يكون الأمر كما يقولون " موت وخراب ديار "!؟
ولكن الشيخ صالح أعلنها مرة أخرى وفى نفس الوقت قطع الطريق على من تقول بأن عقله على وشك الذهاب من الحزن، فقد أعلن بأنه لابد وان تدفن تلك السيارة كما هي ملطخة بدماء حفيده 0 وان كان محمود يستشعر الخسارة فإنه أي الشيخ صالح على أتم الاستعداد لأن يعوض محمودا عن ثمنها من ماله الخاص0
انبرى مسعود الجلخ – هكذا كانوا يسمونه ولا أعرف لماذا0 مع انه يعمل سمكري سيارات ولا دخل للجلخ بعمله كما أظن 0
المهم انبرى محمود الجلخ - الذي وجدها فرصة يحقق بها رغبة الشيخ صالح ذلك الرجل التقى كما أعلن للجميع وفى قرارة نفسه هي أيضا فرصة جيدة كي يكسب بها عدة آلاف من الجنيهات - وقف مسعود وأعلن انه لابد من إطاعة الشيخ صالح هذه المرة 0 ويكفى ما حدث عندما لم يطع محمود أباه واشترى السيارة00وقرر بأنه من سينفذ إرادة الشيخ صالح.اتجه محمود للشيخ صالح واسر له بشيء أعقبه أن نادى الشيخ صالح على ابنه محمود وأمره بأن يعطى مفاتيح السيارة لمسعود وأيضا مبلغ مائتي جنيه0 حينما حاول محمود أن يسأ ل عن السبب أسكتته صرخة من أبيه ألجمته على الفور0
بقي أن تعرف إن مفاتيح السيارة والمائتين من الجنيهات كانتا لزوم مشوار تجهيز رخصة دفن السيارة0 هكذا قال مسعود للشيخ صالح0
حينما ركب مسعود السيارة وسار بها متعجبا من سذاجة الشيخ صالح في موضوع دفن السيارة؛ وأيضا تصديقه لموضوع رخصة دفن السيارة التي تستلزم هذا المبلغ من المال 0 وأخذ بفكر عن أفضل مشتر لمحتويات السيارة التي لن يبقى منها إلا هيكلها حتى يشاهده الشيخ صالح وهو يدفن تجنبا للإشكالات ووجع الدماغ0
وعندما فكر في ثمن هذا الهيكل الذي سيدفن؛ شعر بكثير من الأسى وراح يفكر عن وسيلة تخلصه من ذاك الأسى0
وهو في تفكيره العميق أفاق على صوت ا بواق عالية من سيارة من التريللا آتية من وراءه بسرعة هائلة؛ أعطى الإشارة بأنه سيأخذ يمين الطريق؛ وهو في طريقه لأخذ يمين الطريق شاهد قطة كان على وشك إن يدوسها فأخذ يساره بسرعة0
يحكى الناس كيف إن التريللا سحقت السيارة النصف نقل تماما فقد صعدت فوقها وجعلتها أشبه بقطعة صفيح مستوية0
حار الناس كيف سيخرجون جثة مسعود من داخل هذه السيارة 0 وهم في حيرتهم توقفت بجانبهم سيارة نزل منها شيخ معمم؛ ما إن عرف الموضوع حتى أفتى بأن يدفن الجثمان وهو على حالته بداخل السيارة؛ مادامت تلك السيارة لم يعد فيها شيء صالح0
هكذا تحقق ما أراد الشيخ صالح ,ودفنت السيارة بداخلها جثة مسعود0 وفى كل يوم يذهب الشيخ صالح إلى حيث دفنت ويضرب بعصاه الأرض قبل إن يذهب لقراءة الفاتحة على روح حفيده0
مجدي الحمزاوي

0 Comments:
Post a Comment
<< Home